ندم سيزيف
جاء العرض المسرحي (العقدة), المأخوذ عن نص (The Son) للمؤلف الفرنسي "فلوريان زيلر", ليكون بمثابة قنبلة موقوتة انفجرت في وجه المتلقي, مخلفةً وراءها شظايا من المشاعر الإنسانية المربكة. العرض تولى ترجمته وصياغة دراماتورجيته وإخراجه "أحمد حتحوت", الذي لم يقف عند حدود المحاكاة الواقعية للأزمات الأسرية, بل نفذ إلى أعمق طبقات النفس البشرية ليوقظ بداخلها صراعات الألم, والندم, والإنكار, والخوف. إن (العقدة) ليس مجرد عرض يتناول مأساة فردية تتعلق بمراهق يعاني بسبب انفصال والديه, بل هو تعرية لتعقيد الوجود وهدم لكل آمال الخلاص الزائفة, فنجد أنفسنا أمام حقيقة وجودية قاسية, فبما أننا جميعاً كنا أبناءً وسنكون آباءً يوماً ما, فإننا جميعًا بالضرورة "سيزيف", بدائرته العبثية وتكرار نفس الفعل إلى ما لا نهاية. تدور أحداث العرض حول خطين دراميين يشكلان عقدة حقيقية بسبب تشابكهما وتوازيهما في آنٍ واحد, إذ أن المراهق الذي يدعى "نيكولاس" ما هو إلا مرآة لوالده "بيتر" رغم اختلاف تفاصيل مأساة كلٍ منهما, إلا أن خذلان الأب للأم يظل هو العامل المشترك بين الخطين. وبناء الأحداث المتوازي بين خط "بيتر" ووالده "أنطوني" وخط "بيتر" وابنه "نيكولاس" قاد الأحداث إلى نهاية مأساوية حتمية, بانتحار "نيكولاس" وعذاب "بيتر" لسنوات وربما للأبد. تسمية العرض بـ(العقدة) لم يأتي من فراغ, فمثلما كانت العقدة موجودة بوضوح في البناء الدرامي إلا أنها تجلت كذلك في الصورة البصرية, الديكور لم يكن واقعيًا صرف, ولا تعبيريًا صرف كذلك, فالأثاث واقعي, أما الحوائط فمائلة تعبيرًا عن ميلان حال البيت والهياكل الخشبية التي تخرج من مكان غرفة "نيكولاس" تحديدًا فهي تعبير عن الحالة النفسية المحطمة للمراهق. بالنسبة للنص نفسه, فاعتمد "أحمد حتحوت" في الدراماتورجي بشكل كبير على النص الأصلي, تبدو التغييرات التي أجراها ضئيلة جدًا, وهذا في ذاته لا يعيب العرض في شيء, ولكنه فرض إيقاعًا بطيئًا على العرض كان من الممكن أن يكون أكثر حدة أو جذبًا للجمهور. اعتمد المخرج على جعل بيت "بيتر" والذي هو المنظر الرئيسي الذي تنبثق منه بقية المناظر تعبيرًا عن أن البيت هو العالم الكبير الذي تنطلق منه الأحداث والشخصيات للخارج, وكان الانتقال بين المناظر يكون فقط عن طريق وضع ديكورات بسيطة ككراسي أو أريكة أو حائط رمزي, إلا أن هذا التوظيف المكاني جعل المشاهد التي كانت تقدم في مقدمة المسرح كانت تقتصر على مساحة ضئيلة جدًا مما يقيد حركة الممثلين ويحجب تعابيرهم عن الجمهور, وحتى إن كان الغرض هو الإحساس بالضيق إلا أن التنفيذ لم يكن بالشكل السليم.

قطع الديكور لم تكن عبثًا, بل كانت مشحونة بالدلالات, فالبندقية لم تكن مجرد أداة انتحار بل النهاية المحاضرة منذ البداية, واللوحات لها دلالاتها القوية, فاختار لوحة (ايفان الرهيب وابنه) في بيت "انطوني" في البداية, بينما كانت لوحة (سيزيف) في بيت "بيتر", وذلك لأن "انطوني" هو الأب النادم الذي يتمسك بالانكار, لكنه يعلم انه هو من قتل ابنه – مجازيًا – و"بيتر" هو الأب الذي يعيد نفس ما فعله والده مجددًا دون وعي, ومع نهاية المسرحية نجد أن لوحة (ايفان الرهيب وابنه) انتقلت لبيت "بيتر" فأصبح قاتلًا الآن كوالده, واحتضنه والده في النهاية ليجسدا اللوحة بجسديهما على المسرح, معلنان اكتمال العقدة. حركة الديكور وقت العرض كان بها عدة مشاكل, كان توقيت نقل وتغيير الديكور على المسرح غير مبرر, فكان الجمهور يشاهد عملية النقل وتغيير المناظر تحت الإضاءة, بينما يلحق الاظلام بالحدث بعد تغيير الديكور بالفعل, مما كان يشتت انتباه الجمهور, خاصةً أن لأكثر من مرة كادت تسقط أو سقطت بالفعل قطع الديكور بسبب نقله أثناء المشاهد. الملابس كانت واقعية, تتميز بالوانها الباهتة أو القاتمة حسب الشخصية, كما أنها تناسب كل شخصية حسب تكوينها وحالتها, فـ"نيكولاس" يرتدي ملابس مريحة, بينما يرتدي "بيتر" ملابس عملية كقميص وفوقه بلوفر, و"صوفيا" ترتدي ملابس البيت العادية أغلب الوقت.

الإضاءة كانت متناغمة مع التحولات النفسية للشخصيات إلى حد كبير, ففي المشاهد التي تكون في بيت "بيتر" حيث الاستقرار النسبي قبل تصاعد الصراع تكون الإضاءة صفراء والمصابيح المعلقة على الجدار تضيء لتشعر المتفرج بجو عام من الطمأنينة والألفة, بينما تكون زرقاء كئيبة في لحظات الحزن والانكسار واليأس. أما بالنسبة للموسيقى رغم أنها في ذاتها كانت جيدة إلا أن توظيفها الاخراجي عانى من فرط الاستخدام مما أدى حضورها المستمر إلى عدم الشعور بوجودها, كأن الأذن اعتادت عليها ففقدت تأثيرها المنشود, فكانت تحتاج إلى تأني أكثر في تحديد توقيت استخدامها, وعدم اعتبارها كخلفية صوتية يعتادها الجمهور. الأداء التمثيلي كان جيدًا, لم يكن بالقوة التي كان يحتاجها نص كهذا, لأنه كان تمثيلًا سينمائيًا, فالجمهور القريب نسبيًا من الخشبة سيرى لمعة عين "محمد تامر" وحركة يده المرتعشة, وسيلاحظ ملامح "دعاء الزيدي" العابسة بهدوء, لكن هذا لا يجدي كثيرًا مع الجمهور البعيد الذي يحتاج حركات جسدية أكثر اتساعًا ليراها ويشعر بها, وهذا التعقيب ينطبق على أغلب الممثلين, أما الذي برز كعلامة فارقة هو "محمد السعيد" الذي كان متقنًا لدوره وأدواته لتكون حركاته وايماءاته واضحة دون فجاجة, ومشاعره صادقة دون تكلف. عانى العرض من مشاكل لغوية وتقنية أثرت على جودة التلقي, على مستوى اللغة, فعانى الأداء التمثيلي من مشاكل متكررة تتعلق بالتشكيل اللغوي, وبعض اللعثمة التي كانت واضحة جدًا وتكررت أكثر من مرة. وعلى الصعيد التقني كانت هناك بعض المشاكل التقنية المتعلقة بالـ(مايكروفونات) حيث أن أصوات بعض الممثلين لم تكن مسموعة تقريبًا, ولازم العرض بطوله صوت طنين مزعج ومشتت للمتلقي. في النهاية, نستطيع القول أن المخرج استطاع نقل تجربة إنسانية ثقيلة ومحملة بكم هائل من المشاعر, وحاول مزج عناصرها كي تظهر العقدة لا فقط في الأحداث فحسب بل في تشابك العناصر أيضًا, وسواء وُفِق في ذلك بشكل كبير أم لا, إلا أنه استطاع أن يوصل مراده في النهاية, وأن يؤكد على اسطورة سيزيف, والندم الابدي.



