بئر التلاشي
داخل عالم يرفض التفرد، يرفض الإبداع – ديستوبيا – عالم السائد به هو الزيف والاشباه يفقد كل معالم الإنسانية يتلاشى الفرد داخله ويقذف به داخل بئر موحش تتأكل شخصيته حتى يتحول لمسخ دميم مجرد ترس داخل منظمة ينفذ الأوامر والتعليمات. هكذا يقذفنا عرض آل يونسكو لنرى أنفسنا امام مرآة الحقيقة المشوهة بتلاعب متقن. ضمن فعاليات الدورة الحادية والأربعين من مهرجان المسرح العالمي قدم العرض المسرحي "منظمة آل يونسكو" عن مسرحيات يوجين يونسكو "الكراسي، والمغنية الصلعاء، واللوحة، ومرتجلة ألما" إعداد وإخراج محمد عادل يوسف. قد تشعر أن الاختيار للمسرحيات كان عشوائيًا او مجموعة من النصوص المسرحية التي كتبها يونسكو، ولكنه كان اختيارًا محكمًا ودقيقًا وله مبرره، فجميعها ترتبط بفكرة مركزية وهي أن الإنسان في هذا العصر فقد سيادته على نفسه وأصبح "مفعولًا به" أمام الأنظمة. يونسكو يطرح في هذه الرباعية سؤالاً واحداً: متى يتوقف الإنسان عن كونه إنسانًا؟ وهو اقتراب لمفهوم "نيتشه" عن "الإنسان الأعلى" بوصفه ان الإنسان شيء لابد تجاوزه، أو كما بدأت المسرحية على لسان شخصية يونسكو: - "ما معنى ان تكون انسانًا في عالم فقد الإنسانية" فهنا نرى نظرة مختلفة عما أراده "نيتشه" فإن ذلك الانسان الذي يحيا في هذه المنظومة إلى ماذا سيصل في النهاية فقد إلى تلاشي إنسانيته وذلك ما يربطها بمفهوم العبث لدى ألبير كامي في "أسطورة سيزيف"؛ فالمسرحية تدور في دوائر مفرغة مجرد تكرار أبدي لعمل لا معنى له. كما أن الأعمال المختارة تنطلق من قناعة موت اللغة والتواصل بين البشر، بل إن العالم المادي قد طغى على الروح، لسيطرة على الوجود من خلال الأيديولوجيا أو المال أو التظاهر بالمعرفة. يبدأ العرض للوهلة الأولى ونحن داخل منزل يوجين يونسكو وهو يفكر في كتابة نصه الجديد حتى يأتي " بارتولوميوس" الذي يطلب منه الانتهاء من نصه لعرضه على المسرح ولكن بشروطه ألا وهي أن يجمع بين العلم والشعبي بما يتفق مع الذائقة الفنية السائدة والمسرح الجديد. وذلك ما يجعله وثيق الصلة مع نظرية كارل يونج "اللاوعي الجمعي. الذي يحاول يونسكو فيها لعب دور الظل الذي يثور على جميع الأقنعة وباعتباره وحشًا يسكن الظل كما يرى "يونج" يضع "بارتولوميوس" راسه داخل قفص ثم يضع نصه داخل القفص حتى لا يهدد العقل الجمعي بثورة أفكاره على الواقع وترويض ثورته الفكرية. اتخذ العرض مسار واقعي للحدث يتمثل في مقابلة يونسكو مع " بارتولوميوس"، ومسار داخل عقله. وذلك ما عبر عنه الديكور منذ اللحظة الأولى حين نجد مكتب يونسكو قبل فتح الستار وقد علق على الستار قصاصات ورق من مسرحيات الكاتب، كما ساهمت الإضاءة من تصميم "أحمد طارق" في النقل بين إضاءة المكان وإضاءة داخل عقله حينما تتغير نقالات الإضاءة بين تارة وأخرى مع تركيزها على عقل يونسكو في الأحاديث الجانبية التي تدور داخل عقله كما ان بؤرة الإضاءة عليه تتسع وتضيق حسب الحالة الشعورية التي تشعر به الشخصية والضغط الذي تعانيه. ومع فتح الستار ننتقل لعقل يونسكو لنرى المسرحية التي اسماها منظمة آل يونسكو والتي اختار فيها ان تكون مسرحية الكراسي هي الخط الأساسي للدراما والتي تجمع داخلها باقي المسرحيات والشخوص من خلال دخول زوار وهميين في انتظار خطبة الزوج الذي يريد إيصال رسالته للإنسانية الذي يشعر بحزن على ما وصل له وطنه "باريس"، ولكنه يجد صعوبة في التعبير عن رايه لذلك استأجر فنان محترف يخبر رسالته في عالم مغلق، ولكن اختار العرض ان يمزج بين زيارة الشخوص الوهمية والشخوص الحقيقية من المسرحيات الأخرى.

بذلك أكملت دراما العرض السير في خطين وهو الخط الوهمي للضيوف وخط المسرحيات الأخرى من خلال تقنية المسرح داخل مسرح التي بدأ بها العرض من داخل عقل يونسكو وهو ما اعطى للعرض وحدته العضوية والتماسك بين عناصره وتوافق الرؤية الدرامية بين المسرحيات ورؤية المخرج الكاملة للعرض والتي تجعلك تشعر أنك أمام مسرحية جديدة ليونسكو وليس مجرد إعداد لأكثر من نص وذلك ما كان يشكل تحدي حقيقي للإعداد في مزج أربعة نصوص داخل نص واحد في مزيج عضوي محكم لا تشعر بالانفصال بينهم او التعارض وبالأخص أنها نصوص تنتمي لتيار العبث التي تتسم بخصوصيتها ولكن نجح "محمد عادل" في ذلك التحدي بإتقان محكم. تستمر الضيوف الوهمية في الحضور واحدًا تلو الاخر بترحيب من الزوجين ممزوج بالاضطراب الكوميدي والتوتر وإحضار الكراسي التي تعبر عنهم وتكون البداية بدخول "السيد والسيدة مارتان" من مسرحية "المغنية الصلعاء" الذين فقدا التواصل بينهما ويظلوا في تسأل عن تفاصيل حياتهما الشخصية حتى يكتشفا في النهاية انهما زوجين ولكن بعدها نعود لنقطة البداية مرة أخرى وهما يجهلان بعضهما، وبعد الانتهاء من كل حدث تعود الكراسي فارغة ترتدي ملابس الشخصيات. ثم تدخل شخصية جديدة وهي الأستاذ ولكنه بلا راس ونرى التمجيد من الزوج لهذا الأستاذ وعلمه حتى تحدث المفارقة الكوميديا لنكتشف انه يحمل "طبلة"، ومع خروجه يتكرر نفس حدث بين الزوجين في توترهما من قدوم المزيد من الضيوف ليدخل السيد الضخم والفنان من مسرحية اللوحة. عندما يريد السيد شراء لوحة الفنان بثمن بخس، بينما نرى الفنان يرتدي قميص عليه رسمة للوحة الصرخة "إدفارت مونك" وهي التي تجسد القلق الوجودي والرعب الداخلي وتوحي بالعزلة تمامًا كشخصيات المسرحية كلها وليس شخصية الفنان فقط. وينتهي به الامر لبيع لوحته والتنازل عن مبادئه في عالم يطمس هويته، ولكي يطمس هذا الفن والتفرد يقوم السيد باغتصاب لوحته وتمزيقها. ومع استمرار حالة القلق الوجودي للشخصيات وطمسها يصبح الحدث التالي حتمي بدخول شخصية "بيرينجيه" بطل مسرحية الخراتيت ليونسكو والذي ثار على اللاوعي الجمعي داخل دراما المسرحية الاصلية ورفض ارتدا راس الخرتيت ولكن مخرج العرض جعل رمز ثورة التفرد ذاته يخضع للاوعي الجمعي ويرتدي راس الخرتيت ويندمج مع الجماعة. ومع العودة لشخوص مسرحية الكراسي يقف الزوجين وهما لا يستطيعان استكمال حديثهما وكأن حدث خلل لتغلق الستار مجددًا ونعود ليونسكو في شقته وهو في نفس اللحظة التي وقف لديها الزوجين وهو لا يستطيع ان يكمل الكتابة واستكمال نسيج مسرحيته وهو تأكيد على ان الأحداث التي رأينها خلف الستار كانت داخل عقله فقط وهو يكتب. ومعه يتكرر مشهد دخول "بارتولوميوس" ولكن هذه المرة يدخل شخص اخر بنفس الاسم والملابس والحركة وهو ما يوكد انهم تمثيل للعقل الجمعي بوجود الشخصيتين والقيام بالحركة ذاتها وحملهما لنفس الأفكار. وهم يهاجمان يونسكو على ما يكتب لأنه لا يتفق مع المسرح الجديد الذي يهدف له العقل الجمعي معبرين ان فن الاغريق وشكسبير وموليير قد زال. وعبر عن ذلك بحصار يونسكو وربطه حتى لا يخرج عن المسار. ولكي تصل رسالة العرض للجميع قد ترك يونسكو وحيدًا على المسرح دون الاكتراث لحديثه وهبطت الشخصيتين لصالة الجمهور وإضاءة الصالة كاملة لتعليمهم المسرح الجديد وقواعده بأسلوب كوميدي ساخر متقن. تلك الحالة أدخلت الجمهور أكثر داخل العرض وكأنها محاصرة ايضًا مع يونسكو في تلك الديستوبيا. وبالعودة لفتح الستار واستكمال المسرحية ليضع يونسكو المشهد الأخير نرى ان المسرح قد امتلئ بالكراسي وأصبح الزوجان لا يجدان مكان للوقوف سوء بجوار النافذة كل منهما بعيد عن الاخر إن مسافة ابتعادهم وسط الكراسي تأكيد على مسافة الاغتراب بينهما. ولكن مازال الامل بحضور الفنان، وفي تلك الاثناء يحضر الامبراطور والذي تم تجسيده من خلال بؤرة ضوء وموسيقى المارشات العسكرية وتتحرك البؤرة حتى تصل وتجلس على كرسي فوق الصالة الجمهور المعلق منذ البداية وكأنه كان يشاهد كل ما يحدث منذ اللحظة الأولى ليضع قوانين هذا العالم وفي لحظة جلوسه ترفع جميع الكراسي للأعلى، استعداد لدخول الفنان الذي يحاول التحدث مرارًا وتكرارًا دون جدوى تاركًا دموعه فقط.

قد مزج العرض بين ما هو مضحك بالمأسوي والتي تقوم على السخرية بشكل أساسي وهي سمة أساسية لدى تيار العبث من خلال السخرية من الواقع وبشاعته وذلك عن طريق آليات الإضحاك فالملابس والحركة واللغة والشخصية كالتكرار والرتابة والتي تشكل تحدي للممثلين ولكنهم استطاعوا من خلال استخدام الجسد والصوت التلاعب بتلك الحالة لإيصال الملل الوجودي داخل العرض دون أن يجعلوا المشاهدين تشعر بذلك الملل وعن طريق لحظات الصمت في توازن محكم لتقديم الواقع المشوه. ولإكمال رقعة الشطرنج تلك كانت تحتاج لممثلين متمكنين على درجة من الوعي والفهم لأساسيات تمثيل العبث فنجد عدم وجود خريطة للانفعالات واضحة كما يمتزج ذلك مع تضاد الفعل مع المعنى السطحي والحركة وتجسيد المعاني من خلال الحركة والمبالغة المطلوبة، والتجسيد الكاريكاتيري لشخصيات عدى الشخصية الواقعية الوحيدة وهي يونسكو الذي اجاد "احمد مخيمر" في تقديمها والتلاعب في الانتقال بين الإحساس الحقيقي في الخط الواقعي والإحساس الداخلي لشخصية داخل عقلها. واكملت صورة الشخصية من خلال مكياج "مارينا برزي" الذي اعطى صورة أقرب للواقعية لشكل يونسكو الحقيقي. كما اعطى المكياج خصوصية لباقي الشخصيات بما يتناسب معها وساعد في التنوع بين الشخصيات مما ساعد الممثل في لعب أكثر من شخصية دون الشعور بأنهم شخص واحد. فنجد "سعيد سلمان" يقدم ثلاث شخصيات وهم "السيد مارتان، والسيد الضخم، وبارتولوميوس" دون ان نشعر انه نفس الممثل فقد اعطى لكل شخصية خصوصيتها من خلال تفاصيلها الخاصة في الحركة والأداء والصوت، كذلك "احمد عباس" في تقديم شخصية "الرسام، وبارتولوميوس" فبينما نرى إحساس الرسام بقلة الحيلة والانهيار نرى التضاد لدى بارتولوميوس في تحكمه وقوته. أما "إبراهيم الألفي" و"ميرنا الجوهري" في دور الزوج والزوجة داخل مسرحية الكراسي التي تمثل الخط الرابط للمسرحيات الأخرى مما جعلهما رمانة ميزان الإيقاع داخل الخشبة استطاع كليهما الحفاظ على إيقاع العرض واستغلال مناطق الصمت من خلال الكوميديا والحركة وتفاصيل شخصياتهما فبرغم من انهما يقدمان شخصيتين عجائز إلا انهما خرجا من نمطية الشخصية محافظين على الأسلوب العبثي في التمثيل الذي يتوافق مع طبيعة ودراما العرض، وهو كذلك ما قدمته "جاسمن خالد" من خلال شخصية "السيدة مارتان" فاستطاعت تقديم الكوميديا من داخل الشخصية الدرامية وليس من خارجها سعيا للإضحاك. تشكيل الفراغ في العرض كانت لها طبيعتها الخاصة ولأنها تحتاج لصورة غير تقليدية وصورة تناسب الجمع بين دراما المسرحيات استطاع "عشوائي" في رسم لوحته الخاصة المليئة بدلالات والرمزيات فنجده استخدم فراغ المسرح بصورة مثلى لتعبير عن عقل يونسكو ودراما العرض معًا في تجانس يناسب تجانس الدراما فنجد الدوائر المفرغة التي تمثل دراما يونسكو وكذلك حياة الشخصيات الدرامية وبعض اللوحات الفارغة وبرج ايفل ولكنه مقلوب دلالة على انقلاب حال باريس الذي يشعر به يونسكو وحال الإنسانية وقفص العصفور الذي يسجن داخله كل متفرد. وقد أكملت الصورة البصرية ملابس "ميار ممدوح" فقد أعطت خصوصية لكل شخصية لا تناسب ابعادها الدرامية فقط، بل ما في داخلها وتجسيد لمعانيها باعتبارها شخصيات الكاريكاتيري داخل عقل يونسكو. خلف كل ذلك كان "محمد عادل" يعزف سمفونيته في إيقاع متناغم منظم كنوته موسيقى تمتزج مع إيقاع بصري محكم من خلال نقالات الإضاءة والديكور والملابس في وحدة عضوية متماسكة. ليتركنا في النهاية أمام مرآة الحقيقة نسأل هل انتهت الإنسانية في داخلنا هل أصبحنا مسوخ مشوهة بلا تمييز أو تفرد تحكمنا رؤية واحدة للاوعي الجمعي وتم القذف بنا داخل بئر متهالك يطمسنا ونحن داخله نتلاشى شيئًا فشيئًا أم اننا على حافة السقوط في إطار عالم فقد معنى الإنسانية.



