كم هي قصيرة حياة الرصاصة مقارنة بالجرح
في كل مرة نكتشف فيها أنفسنا من جديد، تُدهشنا قدرتنا الدائمة على التجاوز والتقبل، نُقنع أنفسنا بأننا تخطينا، حتى لو كان وهم النجاة ذلك لا يعدو أن يكون خيط دخان عابر في أوقاتنا المزدحمة،لكن ما أن نظن أننا اعتدنا وألفنا ما نحن عليه، يعود الضيف الثقيل الذي دائمًا ما نحاول جاهدين تجنب مواجهته، بينما هو في الحقيقة يسكن داخلنا دون أن ندرى، ولذلك يفرض السؤال نفسه : ماذا على الإنسان أن يفعل كي يترك الماضي وراءه، ويبقى هناك حيث هو؟.. ضمن فعاليات المهرجان العالمي بالمعهد العالي للفنون المسرحية في دورته الواحدة والأربعين التي جاءت حاملة اسم "د.سامي عبد الحليم"، قُدِم العرض المسرحي "العقدة" عن نص "الإبن" للكاتب والمخرج الفرنسي "فلوريان زيلر"، من ترجمة و دراماتورجيا وإخراج "أحمد حتحوت".

تتناول المسرحية مفاهيم إنسانية عديدة تبدأ من قرارات الإنفصال المفاجئة بين الوالدين، وتبعات ذلك القرار على الأبناء، من خلال حالة الشاب المراهق "نيكولاس" الذي انفصل والداه "بيتر" و"كيت" منذ فترة طويلة وهو لا يقدر على تقبل الأمر رغم المحاولات المستمرة دائمًا من "كيت" لتعويض الجزء الخاص بعدم تواجد "بيتر" بالصورة التي من المفترض أن يشارك بها بشكل طبيعي في حياة "نيكولاس" لكن كل تلك المحاولات وجرعات الحب المتفاوتة من الأم لا تقوى على إشباع "نيكولاس" عاطفيًا ولا على إنكار حاجته لأبيه في تلك المرحلة الشائكة من تكوين شخصيته، ربما لأن "كيت" هي الأخرى لم تستطع أن تتقبل غياب "بيتر" حتى بعدما تزوج من امراة أخرى "صوفيا" وأنجب طفلًا جديدًا وبدأت حياته في الاستقرار بشكل جزئي. لكن سرعان ما تعاود "كيت" الظهور في حياته مرة أخرى لتخبره بأن حالة "نيكولاس" تزداد سوءًا وعليه أن يقوم بواجبه تجاهه، وربما ذلك لا يشير بأصابع الاتهام نحو "بيتر" وتقصيره تجاه ابنه بل لأن "بيتر" هو الآخر يعاني من علاقته مع أبيه السياسي المخضرم السابق "أنتوني" وكراهيته له بسبب تخليه عنه أثناء مرض والدته قبل رحيلها وغيابه الكامل عن كافة تفاصيل حياته، ورغم محاولات "بيتر" أن يختلف عن أبيه وأن يصلح علاقته مع "نيكولاس" لكن علاقته المضطربة مع أبيه تمنعه بشدة، وذلك ما قام بخلق المفارقة الرئيسية في العرض : فمحاولته للهروب من صورة أبيه جعلته يكررها بصورة أخرى لأنه في كثير من اللحظات كان يهرب من علاقته مع "نيكولاس" لا لأنه لا يحبه، بل لأنه يخشى أن يصبح نسخة من أبيه. الصدمات في مرحلة الطفولة تُعيد تعريف الإنسان بالأشياء مرة أخرى عن طريق التناقض، فكل طفل يرى في والديه وخصوصًا أبيه الصورة المُثلى والمثل الأعلى الذي يحتذي به دائمًا، فلذلك عندما يتملكه الخذلان من جانبه، لا يقدر على الفهم أو التقبل لفترة طويلة، ربما لأن أول خوف نختبره يكون من المصدر ذاته الذي نتوقع منه الأمان، وذلك ما كان يؤرق "نيكولاس" لأعوام طويلة. وقد كان "أحمد حتحوت" موفقًا تمامًا في اللحظات التي تضمنت وجود شخصية "نيك" الذي قام بدوره "محمد السعيد" وهو الشخصية المتخيلة داخل عقل "نيكولاس" والذي يعتبر أنه أخاه دائمًا، ويرى فيه الصفات والطباع السيئة التي اكتسبها هو نفسه نتيجة لحالته النفسية مثل لحظات الإدمان الخاصة بمخدر الكريستال، في الحقيقة لا أحد يستطيع أن يرى "نيك" سوى "نيكولاس" فقط ولكن في إحدى اللحظات داخل العرض وأثناء محاولات "كيت" و"بيتر" فهم ما يجري لـ "نيكولاس" ومحاولات احتوائه، ظهرت "كيت" على يسار المسرح وهي تجلس وتربت على "نيكولاس" و "نيك" معًا، في إشارة لتقبلها وشعورها بكل ما يمر به طفلها في أحلك أوقاته، وجاءت تلك اللحظة موفقة بشكل كبير في إيصال المعنى المنشود بشكل شاعري بسيط.

على مستوى الصورة، جاء الديكور الذي تولى مهمته "باسم وديع" مشبعًا بتفاصيل عدة داخل تصميم البيت الخاص ب "بيتر" والشكل العام الذي لا يوحي بالراحة في بعض الأوقات، وقطع الزجاج غير المكتملة التي تتدلى من الأعلى، وتصميم الجزء الخاص بغرفة "نيكولاس" الجديدة في بيت "بيتر" في عمق المسرح، وتعدد التشابكات في تصميمها قد أفاد بمعناها المقصود للمتفرج بصورة جيدة، واستخدام بعض اللوحات الشهيرة مثل "سيزيفيوس" و"إيفان الرهيب" والتبادل السلس فيما بينهم طوال مدة العرض تبعًا لتطورات العلاقة ما بين "بيتر" و"أنتوني" و "بيتر" و"نيكولاس" بالتأكيد قد أضافت للعرض الكثير والتي قد ساعد في ظهورها بشكل جيد خطة الإضاءة التي تولى مسئوليتها "أحمد طارق" والتي جاءت موفقة بشكل كبير وخاصة في أحد المشاهد التي جمعت ما بين "بيتر" و "أنتوني" في المستشفى بعدما علم بأن بيتر يعاني من مرض السرطان منذ فترة وكان يرفض تلقي العلاج خشية أن يفقد ذاكرته خلال رحلة التعافي، ويبدأ "بيتر" و"أنتوني" في الحديث سويًا ويجلس "بيتر" لا كمن يحاول أن يثبت شيئًا قديمًا بشدة ولا كرجل قادر على أن يحاكم ماضيه المتمثل في صورة أبيه أمامه، وأدرك "أنتوني" أنه إنسان وجد أن العمر قد مضى بعدما هزمته الحياة بما يكفي، وأدرك الاثنان أن المسافة التي ظنها كلا منهما شاسعة فيما بينهم لم تكن سوى بضعة كلمات لم تُقل في الوقت المناسب، وكان يفصل بينهما جدارًا كبيرًا من الافتراضات وسوء الفهم وإلقاء اللوم والغضب فقط، وفي تلك اللحظة التي تصالح كل منهما مع وجود الآخر في حياته ودعم "بيتر" لأبيه ومساعدته على الذهاب إلى إجراء العملية، جاءت الإضاءة لتشكل ممرًا من اللون الأزرق الدافئ يمران فيه سويًا نحو صفحة جديدة تُكتب في علاقتهما سويًا بشكل شاعري رائع، بالإضافة إلى الحفاظ على إيقاع ذلك المشهد والإتقان في التعبير عن تلك اللحظة الصعبة من خلال شخصية "بيتر" الذي قام بدوره "مصطفى خطاب" ببراعة شديدة، و"أنتوني" الذي قام بدوره الفنان عبد المنعم رياض، في إيصال أن التذكر المشترك والجلوس مع من نشاركهم الذكريات حتى السيئة منها والحديث عن الماضي بكل ما فيه يعيد تشكيل وبناء الروابط الإنسانية المتآكلة مرة أخرى وله قدرة ساحرة على أن تضمد جروح الماضي بخفة متناهية. "العقدة" في نسخته الأولى هو عرض مسرحي يستحق التقدير بصورة كبيرة لما قام به من معالجة ذكية وطرح لمشكلة قد تمس الشريحة الأكبر من البشر باختلاف الأزمنة والأمكنة والمسميات، ولكن هناك بعض الملاحظات التي يمكن مراعاتها في ليالي العرض المقبلة تتمثل في أن اللحظات الخاصة بتغيير المنظر ونقل الديكور كانت تستغرق وقتًا طويلًا زائدًا عن الحد وخصوصًا أن أغلبها كانت تتم في إظلام كامل أحيانًا مع غياب للموسيقى في تلك اللحظة، وربما قد يساعد في ذلك تنفيذ الحيلة الخاصة باللوح المعلقة في أن تكون داخل براويز خاصة بها فقط دون الاستعانة بنقل "بانوهات" الديكور بشكل كامل أو تبديلها مما يضيف صعوبة في التنفيذ لبعض اللقطات التي أراد المخرج أن يقوم بتنفيذها بإيقاع معين يخدم التسلسل الخاص بالعرض. "كم هي قصيرة حياة الرصاصة مقارنة بالجرح" بتلك الكلمات البسيطة قد عبرت الشاعرة الأمريكية "كلمنتين فون راديكس" عما يجيش بصدورنا جميعًا حول أثر الصدمات الممتد طويلًا قد يصل إلى مدى الحياة بأكملها، ورغم أننا جميعًا ندرك أن الوقت هو يداوي جميع الآلام ولكن ماذا لو كان الوقت هو نفسه الألم الأكبر ؟، نكتشف حينها أن الزمن أحيانًا قد لا يقوى على إعادة ترتيب المسافات، وأن الحب قد لا يكون كافيًا أحيانًا - كما قيل على لسان إحدى الشخصيات- لإصلاح الماضي وتقبل الحاضر لأنه عادة ما يُقدم باردًا، ويأتي متأخرًا في اللحظة التي تكون قد أصابت الرصاصة ما يجب أن تصيبه بالفعل.



