متى بدأ الخلق
في وقت ما من تاريخ هذا العالم اكتشف بعض البشر مدى قسوة وعبثية العالم الذي يعيشون فيه، اكتشف أنه وفي ظل لغة متشدقة للبشر لم تغنهم عن حروب وصراعات أدت إلى مقتل أكثر من 15 مليونا في الحرب العالمية الأولى ومقتل أكثر من 70 مليونا في الحرب العالمية الثانية ولهذا اقتنعت تلك المجموعة بأنه يجب أن يتغير كل ذلك ، لا داعي للغة منطقية أو قصصا لها سبب وجيه ، هؤلاء المجموعة أطلق عليهم مارتن ايسلن بعد فترة في مقال له تحول لكتاب باسم مسرح العبث ، ومن رواده صمويل بيكت ويونسكو وإن كان بيكيت ذا مسرح ملئ بالأفكار فيونسكو مسرح درامي وذا تقنيات كتابية عالية مع وجود الأفكار إن الوقت الذي نعيشه الآن أشبه ما يكون بتلك الأيام التي ظهر فيها كتاب العبث ، حروب بلا أساس منطقي حتى أنني عندما أستمع إلى خطابات الرؤساء أشعر بسخرية وسخافة وعدمية ما يقولون وكأنه أشبه بسخرية أفكار ما بعد الثانية عشر وسؤال كيف بدأ الخلق وربما تشابه هذه الأيام ما دفع "محمد عادل" إلى الإقدام على عمل إعداده وتجربته المسرحية "منظمة ال-يونسكو" والتي قدمت على خشبة المعهد العالي للفنون المسرحية ضمن مسابقة مهرجان المسرح العالمي في ليلته الأخيرة. • مات المؤلف وعاش الفنان: دراما مجمعة يتحدث رولان بارت في مقالته الشهيرة موت المؤلف عن نزع سلطة المؤلف التفسيرية فينتهي دوره بمجرد كتابته والحقيقة أن ذلك المعنى قد استخدمه "محمد عادل" وهو يقوم بإعداد نصه لقد أعتمد في دراما عرضه على مجموعة نصوص خاصة بيونسكو مثل الكراسي والأستاذ والخراتيت واللوحة والمغنية الصلعاء لنصبح أمام تفسير جديد انتزع منه محمد عادل ما تحدث عنه بارت ليبرز لنا مدى قسوة العالم الذي نعيشه الآن وما يؤكد على ذلك هو افتتاحية عرضه والإطار الخارجي للعرض حيث وجدنا يونسكو كما يراه عادل مؤلف بدين أصلع محجوز في مكتبه في ركن الزاوية الأيسر يكتب ويدخل عليه المخرج ليدور النقاش بينهما حول كتابة النص الجديد ومع وجهة نظر للمخرج أن على يونسكو أن يكتب ويترك الباقي له كمخرج للعرض ، تلك اللعبة التي أراد بها محمد عادل أن يعقد اتفاقا ضمنيا مع المتلقي أن تلك الدراما المجمعة التي جمعها ليس بالضرورة أن تحمل رؤية يونسكو لأن يونسكو انتهى وعادل بدأ تفسيره. ثم نبدأ في الدراما المجمعة التي حملت إطارها الداخلي بمسرحية الكراسي وباقي شخصيات النصوص هي ضيوف الزوج والزوجة العجائز بمسرحية الكراسي ومن هنا بدأ عادل في إطلاق كل ما يراه عبثيا في عالمه الحديث عام 2026 مستدعيا شخصيات يونسكو لتعبر عن ذلك . فمرة يستدعي شخصية فنان يبيع لوحته إلى شخص سادي يغريه بحبه للفن ولكنه يكتشف أن ذلك الرجل يغتصب لوحته ومرة أخرى نرى رجلا يلبس قناع خرتيت يرقص مع المغنية الصلعاء التي ليست صلعاء في الأساس ومرة عبقري في العلوم والرياضيات يطلقون عليه الأستاذ يدخل بدون رأس ، يخرج طبلة ويطبل عليها باحترافية لتطلق العجوز جملة أن عبقرية" الطبل/ التطبيل" هى السائدة هذه الأيام كل ذلك في إطار ساخر مضحك يثير الضحك ولكنه يجعلنا نفكر عما نضحك عليه فكأننا نضحك على مآسينا وبعد إطلاق كل تلك القضايا نعود للمؤلف يونسكو والمخرج في الإطار الخارجي ونرى ناقدا أيضاً معهم والغريب أنه يحمل نفس اسم المخرج ويضعون يونسكو في حالة متأزمة ليكونوا هم الأصح ويقومان بربطه وكأنهما يعلنان موته وهو يطلق جملته الأخيرة " أعطوني فرصة لكي أعيد كتابة المشهد الأخير" لنعود مرة أخرى لداخل المسرح ليعلن الزوج والزوجة وصول الامبراطور الذي كان يجلس أعلى الجمهور في سقف صالة المسرح طوال الوقت دون أن ننتبه وهنا يترك الزوج والزوجة الفرصة للفنان الذي دخل وهو "محمد عادل" ليطلق صراخاتهم ليتفاجئ الجميع أنه أبكم لا يستطيع الكلام لكنه يطلق صراخات غير مفهومة لتدل على أنه حي حتى بدون كلمات ، حتى مع موت المؤلف سيعيش الفنان.

ولكن ما يعتبر من مآخذ الدراما هنا هو أن محمد عادل ومع سخريته من اللغة فإنه وضع بعض المنولوجات النفسية التي تخالف قضيته وقضية العبث فأطالت مدة العرض وأثرت على إيقاعه وخالفت ما تحدث عنه في بدايته ونهايته فنجد أنه وضع منولوج للفنان يتحدث عن معاناته بشكل واقعي ايهامي كامل وكذلك الزوج والزوجة في مسرحية الكراسي وهو ما يخالف كل ما قدمه طوال العرض سواء من منهجية درامية أو رؤية اخراجية. • تقنيات عبثية كاملة وسينوغرافيا وضعت العالم على الخشبة في الحقيقة أن الزخم الفني الذي تواجد على المسرح بشكل منضبط يجعلني متأكدة من كم الوقت والمجهود في مذاكرة تقنيات مسرح العبث بشكل متخصص من قبل فريق العمل بالكامل ويؤكد على أن وحدة العناصر تصل في النهاية إلى رؤية مخرج وفريق عمله إلى المتلقي فالصورة البصرية لمهندس الديكور"عبدالله عشوائي " تكونت من قطع ثابتة وأخرى متحركة أشبه بلعبة بازل غير متناسقة كوحدة منفردة لكنها عند تجميعها معا تعطي صورة كاملة فقطع الديكور الثابتة في الخلفية التي كانت أشبه بقطع هندسية "مثلث -مربع – خماسي ..الخ" مع إعطاء مساحات خلفية لدخول وخروج الشخصيات جعلت الأمر أشبه بالية التكاثر التي كان يتبناها مسرح العبث وما يؤكد ذلك أنه بدأ العرض بكرسي واحد وأنهي العرض بأكثر من عشر كراسي على الخشبة حتى تقاطع زوايا الكراسي جعلت الأمر غير منظم في حد ذاته لكنه منتظم داخل لوحته الكاملة كذلك الإضاءة فكشف العملية المسرحية ولعبتها حيث أن المتلقي يرى الكشافات التي تنطلق منها الإضاءة مع تحديد الالوان في وضعيات مباشرة وساخنة أغلب الأوقات يؤكد تلك العملية. حتى الملابس فجاءت غير واقعية تماما ماعدا يونسكو.. فنرى المخرج يرتدي زي مهرج عابث .الزوج والزوجة يرتديان ملابس مكونة من قطع البلاستيك والخيش. . كذلك عملية التناقض التي جعلت ملابس الشخصيات تختلف عن مضمونها فالرجل العبقري يرتدي زيا مهلهلا والشخص المنعدم يرتدي بذلة ، إن عملية التناقض تلك أكدت على رؤية العبث لدى مخرج العرض وفريق عمله بل وحتى موسيقى العرض فلقد تذكرت كلمات د. محمود بيومي وهو أحد أساتذتي في معهد الكونسرفاتوار حينما أخبرنا أن في تلك الفترة اتجهت الموسيقى إلى أن تستعمل الالة بما يناقض الحالة المسرحية..فنرى موسيقى صاخبة في مشهد نفسي وموسيقى هادئة في مشهد متوتر وهو ما قام به " سابواي" معد الموسيقى. الجميل في الأمر أن ذلك الزخم من التقنيات لم يدفع به على الخشبة دفعة واحدة بل كان يبني مع اندفاع العرض لتكتمل الصورة في نهاية العرض بامتداد المسرح إلى الصالة عند الجمهور وكأن فريق العمل يقول أن العالم والمسرح تداخلا باكتمال ما يريدانه من تكوين الصورة المسرحية.

• عملية تمثيلية واعية ولكن كان العبئ الواقع على ممثلي العرض أكثر ما يشغل بالي فنوعية تلك العروض لا تعتمد على اندماج تمثيلي بل على تقنيات وحرفية الممثلين على خشبة المسرح وطاقة يجب أن تستمر وفي ظني أنهم نجحوا في ذلك فوجود "أحمد مخيمر"خارج الخشبة ووجود "ابراهيم الرفاعي وميرنا الجوهري" داخل الخشبة ولعب سعيد سلمان واحمد جمباز بين العالمين أعطى مساحة من الحرية التمثيلية وقدرات تجمع بين التمثيل والكوميديا وا لاداء الجسدي المتحرك بين الغناء والرقص والايقاع كان الجميع على قدر من الوعي الكامل بما يفعلونه ولكن اندماج البعض والجري وراء الايفيه كان يجعل المتلقي يتشتت أحيانا ولا يخلوا الأمر من بعض النكات المحلية التي لم يعيها الا أهل الفن والمعهد لقد قدم لنا فريق العمل بالكامل صورة متكاملة ليجعلونا نرى سخف وعبثية ما نعيشه حالياً...عالم يمتلئ بالحروب والموت والكوارث وغلق ما بعد التاسعة واجازات بسبب هطول المطر ولغة تواصل غير مفهومة كل ذلك يجعل سؤال كيف بدأ الخلق سؤالا عبثيا أكثر من الحياة



